محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ولا يكره ذلك جبرئيل ، فرفعه عند الخمس ، فقال : يا رب إن أمتي ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ، فخفف عنا قال الجبار جل جلاله : يا محمد ، قال : لبيك وسعديك ، فقال : إني لا يبدل القول لدي كما كتبت عليك في أم الكتاب ، ولك بكل حسنة عشر أمثالها ، وهي خمسون في أم الكتاب ، وهي خمس عليك فرجع إلى موسى ، فقال : كيف فعلت ؟ فقال : خفف عني ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها قال : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فتركوه فارجع فليخفف عنك أيضا ، قال : يا موسى قد والله استحييت من ربي مما أختلف إليه قال : فاهبط باسم الله ، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يقال : إن الله عز وجل أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام ، والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه ، وقوله : إلى المسجد الأقصى يعني : مسجد بيت المقدس ، وقيل له : الأقصى ، لأنه أبعد المساجد التي تزار ، ويبتغى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام . فتأويل الكلام تنزيها لله ، وتبرئة له مما نحله المشركون من الاشراك والأنداد والصاحبة ، وما يجل عنه جل جلاله ، الذي سار بعبده ليلا من بيته الحرام إلى بيته الأقصى . ثم اختلف أهل العلم في صفة إسراء الله تبارك وتعالى بنبيه ( ص ) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فقال بعضهم : أسرى الله بجسده ، فسار به ليلا على البراق من بيته الحرام إلى بيته الأقصى حتى أتاه ، فأراه ما شاء أن يريه من عجائب أمره وعبره وعظيم سلطانه ، فجمعت له به الأنبياء ، فصلى بهم هنالك ، وعرج به إلى السماء حتى صعد به فوق السماوات السبع ، وأوحى إليه هنالك ما شاء أن يوحي ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته ، فصلى به صلاة الصبح . ذكر من قال ذلك ، وذكر بعض الروايات التي رويت عن رسول الله ( ص ) بتصحيحه :